معلومات عامة

جهاز الكفتة وأجهزة كشف القنابل عن بعد: كيف استغل المحتالون الجهل التقني لتحقيق أرباح كبرى

سواء على حاجز تفتيش أمني، أو ربما عند مدخل فندق أو منشأة حساسة أخرى، من المحتمل أنك شاهدت “كاشفات القنابل” الغريبة المزعومة في مكان أو بآخر في البلدان العربية وفي عدة بلدان أخرى حول العالم.

كاشفات القنابل هذه تبدو بسيطة للغاية، مجرد هوائي قابل للتعديل (كما في أجهزة الراديو والتلفاز القديمة)، يتحرك على محور ضمن مقبض بلاستيكي صغير غالباً ما يكون بحجم قبضة اليد فقط.

في الواقع وإن كنت تتذكر فضيحة “جهاز كشف الإيدز” (والذي أصبح يعرف باسم جهاز الكفتة لاحقاً) الذي ظهر في مصر عام 2014، فهي تحتوي نفس النوع من أجهزة الكشف المزيفة هذه، في البداية على الأقل.

مبدأ العمل المزعوم لأجهزة كشف القنابل المزيفة

استخدام جهاز كشف القنابل المزيف ADE-651 في العراق

تتشارك مختلف الأجهزة المنتشرة بصفتين أساسيتين في الواقع: استخدام بطاقات مخصصة لأنواع مختلفة من الكشف، والادعاء بأن الجهاز يقوم بالكشف عن عناصر محددة موجودة في المواد المطلوب كشفها.

بعض الأجهزة تأتي مع بطاقات معدة مسبقاً لأمور مثل الأسلحة، المتفجرات، المخدرات، الأموال وسواها. فيما بعضها الآخر يأتي مع بطاقات فارغة ولصاقات، حيث يفترض على المشغل وضع اللصاقة على جسم من النوع المطلوب الكشف عنه لبعض الوقت، ومن ثم نقلها إلى بطاقة توضع في الجهاز.

وفق وصف المحتالين، بمجرد وضع البطاقة المناسبة في الجهاز، سيتمكن الجهاز من كشف المواد المطلوبة بدقة جيدة جداً، حيث يفترض أن يتحرك الهوائي بشكل تلقائي ويميل نحو المادة الخطرة مثل المتفجرات أو الأسلحة أو المخدرات أو سواها.

عادة ما تشمل هذه الفئة من الأجهزة الاحتيالية بتسمية “كاشفات المواد بعيدة المدى” (Remote Substance Detector)، حيث أنها عادة ما تدعي التقاط أمواج كهرومغناطيسية تصدرها المواد المطلوب الكشف عنها. ووفق المحتالين فإن تحديد هذه الأمواج الكهرومغناطيسية يسمح بمعرفة المواد الخطيرة وكشفها عن بعد.

كاشفات الذهب وعصي الكشف عن الماء

قضبان معدنية يدعي المحتالون انها تكشف أماكن المياه الجوفية
قضبان معدنية يدعي المحتالون انها تكشف أماكن المياه الجوفية

واحدة من أقدم طرق الاحتيال التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، هي استخدام أدوات مثل عيدان شجر مقطوعة حديثاً، أو حتى قضبان معدنية للإشارة لمكان المياه الجوفية. هذه الخدعة موثقة منذ 5 قرون على الأقل، ولا تزال منتشرة بكثرة حتى يومنا هذا.

من حيث المبدأ لا يوجد أي اختلاف حقيقي بين عيدان كشف الماء الجوفي القديمة، والموديل الحالي من هوائيات كشف المتفجرات. الخدعة لم تتغير كثيراً سوى بكون المادة المكتشفة مختلفة، فالأمر يعتمد على السوق، وعندما تكون هناك أرواح على المحك يصبح كشف القنابل أولوية تدفع البعض للتعلق بأدوات لا تعدو كونه خدعاً.

في الماضي ظهرت العديد من الأجهزة المزيفة للاستشعار عن بعد، لعل أشهرها آلات “كشف الذهب”. حيث بيعت هذه الآلات للطامحين مع بعض السذاجة والجهل على مدى عقود، وحتى الآن لم تنتج أي أثرياء من الذهب الذي يفترض أن يوجد.

عدة شركات وأسماء تجارية، لكن الخدعة واحدة

أشهر أجهزة كاشفات القنابل المزيفة

في الواقع ليس هناك موديل موحد فقط من “جهاز كشف القنابل” المزعوم، بل أن هناك 5 موديلات معروفة على الأقل: ADE 651، Quadro Tracker، GT200، Sniffex، Alfa 6. والأرجح أن هناك عشرات الموديلات الأخرى الأقل شهرة ومعرفة.

بعض أول موديلات كاشفات القنابل المزيفة تعود إلى الثمانينيات والتسعينيات، لكن انتشارها الأكبر ربما حصل مطلع الألفية مع تزايد أخطار التفجيرات في العديد من الأماكن حول العالم. لذا انتقل العديد من المحتالين من التركيز على كونها أجهزة كشف مخدرات إلى الادعاء بأنها تكشف القنابل كذلك.

أول جهاز من هذا النوع يحقق الشهرة هو “Quadro Tracker”، الذي بدأ كجهاز مزعوم لإيجاد كرات الجولف المفقودة مطلع التسعينيات. لكن لاحقاً ازدادت الادعاءات تدريجياً ليصبح جهاز كشف مخدرات وأسلحة وحتى كحول ومواد ومعادن ثمينة.

مع الوقت ازدادت ادعاءات جهاز Quadro Tracker إلى حد كونه قادراً على الاستدلال إلى الأشخاص، بإدخال صورتهم أو بصمتهم فقط. وهنا جذب الجهاز أنظار السلطات الأمريكية التي حظرت الجهاز وحاكمت مسوقيه بتهم تتعلق بالاحتيال والتلاعب بسعر الأسهم.

بعد الحظر الأمريكي على الجهاز انتقل المكان الأساسي للاحتيال إلى المملكة المتحدة، حيث استغل عدة محتالين الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان وتزايد العمليات الإرهابية للتسويق لأجهزتهم ككاشفات قنابل “رخيصة” نسبياً ودقيقة جداً.

أسعار هائلة وانتشار عالمي

الدول التي تم شراء كاشفات قنبل مزيفة ضمنها بشكل مؤكد
الدول التي تم شراء كاشفات قنبل مزيفة ضمنها بشكل مؤكد، العدد الإجمالي أكبر على الأرجح.

في بداية الخدعة، كانت أجهزة الكشف المزعومة تباع بأسعار صغيرة نسبياً، حيث أن جهاز Quadro Tracker كان يبدأ من 200 دولار فقط. بالطبع هذا مبلغ كبير لقطعة من الخردة، لكن مقارنة بالأسعار اللاحقة فهو بخس جداً.

بعد أحداث سبتمبر الإرهابية وتصاعد وتيرة الهجمات والخوف منها، استغل المختالون الأمر لصالحهم. وسرعان ما بدأت الأسعار بالصعود بسرعة. حيث باتت تبدأ من بضعة آلاف من الدولارات على الأقل، وتصل إلى أكثر من 100 ألف دولار في بعض الحالات.

معظم الأجهزة التي بيعت كانت في المجال السعري بين 30 و50 ألف دولار، وكونها كانت تباع بالعشرات أو حت المئات، فقد كون بائعوها المحتالون ثروات كبرى منها.

كان الانتشار الأكبر لأجهزة كشف القنابل المزيفة في العراق وباكستان في البداية، وذلك بسبب المخاطر الأمنية من المتفجرات. لكن مع الوقت انتقلت هذه الأجهزة إلى العديد من البلدان الأخرى حول المنطقة والعالم.

تتضمن قائمة البلدان الضحايا العديد من الدول مثل: بلجيكا، لبنان، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، سوريا، الجزائر، تونس، إيران، جورجيا، رومانيا، الصين، الهند، بنجلادش، فيتنام، تايلاند، المكسيك وسواها.

زجاجة عطر؟ هاتف ايفون؟ ربما عبوة شامبو هي السبب

في حال كنت قد مررت بجانب نقطة تفتيش تستخدم أحد الأجهزة المحتالة، فالأرجح أنك قد سمعت عبارات مثل “من يحمل زجاجة عطر؟”، “هل أحد الركاب يستخدم هاتف ايفون؟” أو غيرها من التنويعات الغريبة.

في الواقع ونتيجة كون أجهزة كشف القنابل المزيفة تغير اتجاهها عشوائياً، فالكثير ممن يستخدمونها يبحثون عن تفسير لكونها كثيراً ما تشير إلى سيارات أو أفراد لا يحملون أية مواد ممنوعة أو متفجرات أو أسلحة. هذا التفسير قد يكون لإقناع أنفسهم بأن الجهاز حقيقي، أو أنهم يدركون زيف الجهاز لكن أوامرهم التي ترغمهم على استخدامه تضعهم في مواقف محرجة متكررة تحتاج لتفسير.

أبرز التفسيرات المستخدمة هي زجاجات العطر أو هواتف أيفون، حيث أن أي وسيلة نقل جماعي ستضمنها على الأرجح، وحتى في حال لم تكن موجودة ستجد أسئلة أكثر وأغرب، أحياناً عن ماركات هواتف شهيرة أخرى (سامسونج أو هواوي مثلاً) وأحياناً حتى زجاجات الماء أو علب شامبو الشعر.

عدم التجربة وقضايا الفساد والرشى

واحدة من أكثر الأمور المثيرة للشكوك هو أن أجهزة كشف القنابل المزيفة بقيت تستخدم لسنوات قبل كشف زيفها، وفي الواقع بقيت تستخدم حتى بعد فضحها في بعض الحالات. حيث أنها نادراً ما كانت تخضع لأية تجارب لإثبات فاعليتها وكونها تقدم أية قيمة أو فائدة.

على العموم وفي الحالات القليلة التي اختبرت فيها أجهزة كشف القنابل المزورة، فقد أظهرت أنها تفتقد لأية فاعلية تماماً. حيث تم اختبارها من الشرطة البلجيكية التي رفضتها، كما أن قوات الأمم المتحدة في لبنان اشترت عدة أجهزة للاختبار ورفضت الاستمرار في شرائها بعد كشف كونها مجرد خردة.

في الواقع كان مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI) قد أصدر تحذيرات بشأن أجهزة كشف القنابل أو المواد الأخرى التي تستخدم الهوائيات منذ عام 1999، وذلك قبل انتشار معظم الأجهزة الأحدث، لكن يبدو أن التحذير تم تجاهله أو أنه لم يصل أصلاً للكثيرين.

في الواقع كان خبير ألعاب الخفة السابق والمشكك المعروف جيمس راندي (James Randi)، قد عرض جائزته المعروفة بقيمة مليون دولار أمريكي لمن يثبت أن هذا النوع من الأجهزة يعمل بأي نسبة أفضل من الاحتمالات العشوائية.

مع الوقت ظهرت عدة قضايا فساد تتعلق بشراء هذه الأجهزة، وفي العراق على الأقل أدين عدة مسؤولين عسكريين بتهم فساد تتعلق بتلقيهم رشاوي بملايين الدولارات من مصنعي جهاز ADE 651 عام 2011، بعدما كان الجهاز قد منع من الصنع والتصدير من المملكة المتحدة منذ مطلع عام 2010.

تحذيرات، حظر تصدير ومحاكمات

منذ عام 1999 أصدر مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI) تحذيرات عن أجهزة الكشف التي تستخدم الهوائيات. في حينها كان التحذير ناتجاً عن جهاز Quadro Tracker، لكنه ينطبق في الواقع على العديد من الأجهزة اللاحقة. وفي حينها تم حظر إنتاج أو بيع أو تصدير هذا النوع من الأجهزة من الولايات المتحدة.

لاحقاً بات مركز الاحتيال الأهم هو المملكة المتحدة، حيث ظهرت عدة شركات مزعومة مثل ATSC التي كانت تصنع جهاز ADE 651، وGlobal Technical التي كانت تصنع جهاز GT200 وسواها.

إلقاء القبض على المحتال Jim McCormick مالك الشركة المنتجة لجهاز ADE-651

اليوم كل من الشركتين سابقتي الذكر متوقفتان بشكل نهائي، بعدما قادت التحقيقات إلى بدأ حظر التصدير منذ عام 2010، وبحلول عام 2013 تم إدانة مؤسس ATSC المدعو Jim McCormick ومؤسس Global Technical المدعو Gary Bolton بجرائم الاحتيال، وسجن كل منهما.

لاحقاً جرت بعض التحقيقات في عدة بلدان تأثرت بالاحتيال مثل العراق وتايلاند. في تايلاند احتاج الأمر أكثر من 10 سنوات لينتهي بحظر استخدام هذه الأجهزة تماماً، لكن لم يتم إدانة أو التحقيق مع أي من المسؤولين العسكريين الذين طلبوا استيراد الأجهزة.

في العراق جرت عدة تحقيقات، وفي نهاية عام 2012 أدين الجنرال العراقي “جهاد الجابري” بجرائم فساد تتعلق بقبول رشاوي مقابل عقود شراء أجهزة كشف القنابل المزيفة.

الاستخدام مستمر حتى اليوم بعد كل الفضائح

على الرغم من أن معظم أجهزة كاشفات القنابل المزيفة قد منعت اليوم وحوكم منتجوها، وحتى بعد قيام عدة دول بالتحقيق بفاعلية الأجهزة والإجماع على أنها ليست سوى “عصي رمان” لكن بشكل مستحدث، فهي لا تزال تستخدم حتى اليوم.

في العراق مثلاً استمر استخدام الأجهزة بعد سنوات من إدانة المسؤول عن استيرادها، بينما في بضعة دول أخرى وبالأخص الأفريقية لا تزال هذه الأجهزة تستخدم حتى اليوم. وفي الكثير من الحالات يدافع المستخدمون عن شرعية هذه الأجهزة ويحكون قصص خيالية عن دقتها.

المثير للاهتمام هو أن هذه الأجهزة ومن نفس الموديلات لا تزال تستخدم لغايات مختلفة حسب المكان. فهي موجودة في سوريا ككاشفات قنابل، بينما في كينيا تستخدم لكشف العاج والإمساك بالصيادين الغير شرعيين، وفي المكسيك لكشف المخدرات.

فضيحة جهاز الكفتة (جهاز كشف الإيدز)

جهاز الكفتة - جهاز كشف الإبيدز المصري المزعوم

في نهاية عام 2013، نشر المتحدث الرسمي باسم الجيش المصري بياناً عن “اختراع عظيم”. حيث كان من المفترض أنه عبارة عن جهاز بسيط يستطيع كشف الإصابة بفيروس HIV (المسبب لمرض الإيدز) وعدة فيروسات أخرى مثل فيروس التهاب الكبد من الفئة C، وكل ذلك دون تحليل للدم أو حاجة للمس المريض حتى.

في حينها كل ما عرض عن الجهاز هو مجرد مقبض مع هوائي يشير باتجاه المصابين بدقة، لكن لأي أحد يعرف إلى ماذا ينظر، فالجهاز في الصور لم يكن سوى جهاز كشف قنابل مزيف من نوع ADE 651 لكن مع تعديل بسيط على شكله الخارجي.

لاحقاً تزايدت الادعاءات حول فاعلية الجهاز، وظهر جهاز مزعوم آخر يقوم بعلاج جميع الأمراض وفق الوصف حينها. وبعد أشهر من التطبيل الإعلامي من العديد من الفضائيات المصرية، يأس الجميع من الأمر بعدما اختفى الجهاز المزعوم ولم يكشف عنه في الموعد المحدد.

خلال فترة الضجة، سرعان ما بات “جهاز الكفتة” محط سخرية كبيرة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كان الادعاء كبيراً جداً بحيث أن كذبه أمر مفروغ منه. لكن في نفس الفترة كانت عشرات الأجهزة المشابهة لا تزال تستخدم ككاشفات قنابل في العديد من الفنادق في المناطق السياحية من مصر.

لاحقاً وفي عام 2016، أحيل عدة أطباء من المسؤولين عن الترويج للجهاز إلى القضاء المصري، لكن أقصى عقوبة متاحة كانت الشطب من نقابة الأطباء، ول تنشر الأحكام المقرة عليهم. ومنذ حينها بات “جهاز الكفتة” من الماضي فعلياً.

اظهر المزيد

مكتب التحرير

مراقب صحفي | يقارب الأحداث والمواضيع بإلتزام وموضوعية دون تمييز وليس منحاز إلا لما هو الافضل لبناء مجتمع يقرأ ويميز بين الأخبار الحقيقية والاخبار المضخمة أو الموجهة. مقاوم وثائر للحق و الشعوب الكادحة المستضعفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
KhabarTaza

مجانى
عرض